- الأخبار الأثرية
-
حقوق الصورة: Øyvind Holmstad, CC BY-SA 3.0, via Wikimedia Commons
أكبر تل أثري في اسكندنافيا ربما كان يرتبط بكارثة من القرن السادس
طرحت دراسة أثرية حديثة تفسيراً جديداً لتل راكينهوجن (Raknehaugen)، أكبر التلال الأثرية في اسكندنافيا، مشيرةً إلى أنه لم يُشيَّد كقبرٍ لملك أو زعيم، بل ربما كان عملاً طقوسياً جماعياً أقيم استجابةً لكارثة طبيعية كبرى حدثت في القرن السادس الميلادي.
يقع التل على بعد نحو 40 كيلومتراً شمال أوسلو، ويبلغ قطره حوالي 95 متراً وارتفاعه نحو 13 متراً، ما يجعله أكبر نصب أثري من نوعه في المنطقة. ولأكثر من قرن اعتقد علماء الآثار أن هذا التل الضخم يمثل قبر أحد زعماء العصر الحديدي. غير أن مراجعة حديثة وشاملة للأدلة الأثرية كشفت أنه لا توجد أي غرفة دفن أو بقايا بشرية داخل التل، الأمر الذي يضعف فرضية كونه مقبرة ملكية.
وتفصيلاً، فقد أخفقت أعمال التنقيب المتكررة منذ القرن التاسع عشر في العثور على أي دليل على وجود دفن ملكي أو لقى جنائزية. وبدلاً من ذلك كشفت الحفريات عن بنية داخلية معقدة تتكوّن من طبقات متتابعة من التربة والعشب والطين والرمال، وضعت بعناية فوق بعضها البعض. كما عُثر داخل التل على ثلاث طبقات ضخمة من الأخشاب تضم آلاف الجذوع والأغصان المرتبة بطريقة مقصودة، والتي تم تغطيتها لاحقاً بطبقات سميكة من التربة.
وقد قدّم التحليل العلمي للخشب دليلاً هاماً. فقد كشفت دراسات حلقات الأشجار أن معظم أشجار الصنوبر المستخدمة في التل قُطعت في العام نفسه، مما يشير إلى جهد كبير ومنسق لجمع المواد في موسم واحد. واللافت، أن الأشجار نفسها كانت في الغالب صغيرة السن وذات جودة رديئة، ويبدو أن العديد منها اقتُلعت من جذورها أو كُسرت بدلاً من قطعها بعناية.
كما كشفت حلقات النمو عن ظاهرة لافتة تتمثل في حلقة نمو رفيعة جداً ظهرت قبل نحو خمسة عشر عاماً من قطع الأشجار. ويرتبط هذا التباطؤ الحاد في النمو بما يعرف بـ الأزمة المناخية في عام 536م، حين أدى انفجار بركاني ضخم إلى انخفاض درجات الحرارة عالمياً وتسبب بفشل المحاصيل واضطرابات بيئية واسعة خلال ما يعرف بالعصر الجليدي الصغير.
وباستخدام تقنية المسح الليزري عالي الدقة (LiDAR) من أجل رسم خرائط دقيقة للتضاريس، تمكن الباحثون أيضاً من تحديد أثر انهيار أرضي ضخم حدث قرب التل يمتد على مساحة تقارب كيلومتراً مربعاً. ويبدو أن هذه المنطقة هي نفسها التي جُمعت منها الأخشاب المستخدمة في البناء. ويرجح أن الانهيار الأرضي نتج عن عدم استقرار التربة الطينية البحرية مع زيادة الأمطار خلال فترة الأزمة المناخية.
ويقترح التفسير الجديد أن بناء التل كان طقساً جماعياً يهدف إلى إعادة التوازن بعد الكارثة. فقد جُمعت الأشجار المتساقطة وبقايا المواد والتربة من المنطقة المتضررة، ثم رتبت داخل التل على طبقات منظمة، وكأنها محاولة رمزية لاحتواء الفوضى التي أحدثتها الكارثة الطبيعية.
ويشير حجم النصب إلى أن مئات الأشخاص ربما شاركوا في المشروع، حيث قاموا بنقل وترتيب ما يصل إلى 25,000 جذع وفرع. وبدلاً من أن يُمثل هذا البناء سلطة حاكم واحد، فإنه قد يعكس استجابة مجتمعية للأزمة، بهدف استرضاء قوى الطبيعة أو ما وراءها، واستعادة النظام الكوني.
وتفتح هذه الدراسة الباب لإعادة النظر في تفسير العديد من التلال الأثرية الكبرى في اسكندنافيا، إذ ربما لم تكن كلها قبوراً ملكية، بل منشآت طقسية جماعية مُدمجة في مناظر طبيعية مقدسة تشكلت بفعل الكوارث البيئية.
تاريخ النشر: 13-03-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: LBV Magazine