- الأخبار الأثرية
-
حقوق الصورة: S Entressangle/ E Daynes/ Science Photo Library
كيف نشأت اللغة البشرية عبر ملايين السنين
لم تترك لغات البشر الأوائل أي أثر مباشر، إذ إن الكلام لا يتحجر مثل العظام أو الأدوات. ومع ذلك يحاول علماء الأنثروبولوجيا القديمة إعادة تصور بدايات اللغة وأصواتها المحتملة من خلال دراسة الأحافير واللقى الأثرية وتطور جسم الإنسان.
تُعد اللغة البشرية ظاهرة فريدة بين جميع أشكال التواصل لدى الكائنات الحية، فهي تمكّن الإنسان من تحويل أفكاره وتجربته إلى كلمات ورموز يمكن ترتيبها بطرق لا حصر لها للتعبير عن أفكار جديدة ونقل المعاني إلى الآخرين. ومع ذلك لا تزال بدايات اللغة غامضة إلى حد كبير، حيث يستمر الباحثون في مناقشة كيفية وتوقيت ظهورها لأول مرة.
تطرح إحدى النظريات أن اللغة ظهرت فجأة عندما تطورت لدى الإنسان القدرة على التفكير المجرد. وكان يُعتقد سابقاً أن هذا التحول حدث قبل نحو أربعين ألف سنة، لكن عدة اكتشافات حديثة للفنون الرمزية والأدوات المتقنة في مناطق متعددة من العالم تشير إلى أن التفكير الرمزي ربما نشأ قبل ذلك بوقت طويل.
أما النظرية الثانية فترى أن اللغة تطورت تدريجياً عبر ملايين السنين نتيجة عمليات التطور الطبيعي. ووفقاً لهذا الرأي فإن تغيرات بطيئة في الدماغ والجهاز العصبي وبنية الجهاز الصوتي أدت تدريجياً إلى زيادة قدرة الإنسان على النطق والتواصل.
ويبحث علماء الآثار عن أدلة غير مباشرة على تطور التفكير لدى البشر الأوائل. فالفؤوس الحجرية الأشولية التي ظهرت قبل نحو 1.8 مليون سنة تظهر أن صانعيها كانوا يخططون لشكل الأداة قبل صنعها، وهو ما يدل على وجود قدرة على التخيل والتفكير المجرد، وهي قدرة ترتبط غالباً ببدايات اللغة.
كما توفر الأحافير أيضاً أدلة مهمة حول قدرات النطق لدى أسلاف البشر. فمن خلال دراسة جماجمهم يمكن ملاحظة آثار مناطق الدماغ المرتبطة باللغة، إضافة إلى تحليل بنية الحنجرة والفك واللسان لتقدير أنواع الأصوات التي ربما استطاعوا إنتاجها.
ومن خلال دراسة تطور الإنسان يمكن تصور مراحل مختلفة لتطور التواصل. فقد كان إنسان أسترالوبيثيكوس أفارينسيس، الذي تمثله الأحفورة الشهيرة «لوسي» قبل نحو 3.2 ملايين سنة، يعتمد على أصوات بسيطة وإشارات جسدية تشبه إلى حد كبير تواصل الشمبانزي اليوم.
أما الإنسان المنتصب «هومو إريكتوس»، مثل صبي توركانا الذي عاش قبل نحو 1.6 مليون سنة، فكان يمتلك قدرة أفضل على التحكم في التنفس وإنتاج مجموعة أوسع من الأصوات، وربما استخدم كلمات بدائية أو أصواتاً تحاكي الأشياء والأفعال.
أما إنسان نياندرتال الذي عاش حتى نحو أربعين ألف سنة مضت، فمن المحتمل أنه كان قادراً على الكلام بطريقة قريبة من البشر المعاصرين، رغم أن صوته ربما كان أكثر «أنفية» بسبب اختلافات تشريحية في الجمجمة والأنف.
وبحلول نحو ثلاثين ألف سنة مضت كان الإنسان العاقل قد امتلك جهازاً كاملاً للكلام، إذ أصبحت بنية الدماغ والجهاز الصوتي مشابهة لما هي عليه اليوم، مما سمح له باستخدام نطاق واسع من الأصوات والتعبير عن الأفكار الرمزية المعقدة.
ورغم أننا لا نعرف بالضبط كيف كانت أصوات البشر في عصور ما قبل التاريخ، فإن الأبحاث العلمية والنماذج الحيوية تساعد العلماء على الاقتراب أكثر من فهم الطريقة التي ربما تحدث بها أسلافنا قبل عشرات أو حتى ملايين السنين.
تاريخ النشر: 05-03-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية
المصدر: BBC