- الأخبار الأثرية
-
خريطة طبوغرافية لشمال سهل جيانغهان في مقاطعة هوبي، توضح مناطق السفوح الرئيسية والأنهار ومواقع مستوطنات ما قبل التاريخ التي تناولتها الدراسة.
حقوق الصورة:
Jianguo Liu, Humanities and Social Sciences Communications (2026)
أسوار مدن أم منشآت مائية؟ دراسة تعيد تفسير مستوطنات ما قبل التاريخ في سهل جيانغهان
تشير دراسة جديدة إلى أن عدداً من المنشآت الترابية الضخمة المحيطة بمستوطنات ما قبل التاريخ الموجودة في شمال سهل جيانغهان بوسط الصين ربما لم يتم بناؤها أساساً للأغراض الدفاعية كما كان يُعتقد سابقاً، بل كانت جزءاً من أنظمة متكاملة لإدارة المياه. حيث تبين للباحثين، ومن خلال استخدام نماذج التضاريس التي أُنتجت بواسطة الطائرات المسيّرة وصور الأقمار الصناعية والبيانات الأثرية والمحاكاة الهيدرولوجية، أن كثيراً من الجدران والخنادق والبرك والسدود ساعدت السكان على مواجهة الفيضانات خلال موسم الأمطار، إلى جانب توفير المياه لزراعة الأرز في فترات الجفاف.
ويقع سهل جيانغهان في المجرى الأوسط لنهر يانغتسي ضمن مقاطعة هوبي، في منطقة تنتقل فيها التضاريس من الجبال والتلال شمالاً إلى السهول والبحيرات والأراضي الرطبة جنوباً. ويوفر المناخ الموسمي الدافئ ظروفاً مناسبة لزراعة الأرز، لكنه يفرض في الوقت نفسه تحدياً واضحاً، إذ قد تؤدي الأمطار الغزيرة إلى فيضانات في بداية الصيف، بينما تتكرر فترات الجفاف خلال منتصف الصيف والخريف. وهكذا كان على المجتمعات الزراعية التعامل مع فائض المياه ونقصها خلال العام نفسه.
وتضم المنطقة مستوطنات مرتبطة بحضارات تشمل بيانفان (Bianfan) ويوزيلينغ (Youziling) وتشوجيالينغ (Qujialing) وشيجياهي (Shijiahe)، والتي امتدت بصورة عامة بين نحو 6900 و4000 عام مضت. ولطالما اعتُبرت بعض المنشآت الترابية الكبيرة المحيطة بهذه المواقع على أنها أسوار مدن، وكما ربطها الباحثون أحياناً بظهور مجتمعات أكثر تعقيداً. لكن بعض خصائصها لا تتوافق بسهولة مع الوظائف الدفاعية، ففي موقع شيجياهي، على سبيل المثال، لا يتجاوز ميل الجزء الخارجي من أحد هذه الأسوار نحو 25 درجة، وهو ما أثار تساؤلات حول قدرته على العمل كتحصين فعلي.
ولإعادة تقييم هذه المنشآت، استخدمت الدراسة صوراً جوية التقطتها طائرات مسيّرة لإنتاج نماذج رقمية دقيقة لسطح المواقع، ثم جرى دمجها مع صور أقمار صناعية قديمة وبيانات الارتفاع الإقليمية ونتائج الحفريات والمسوح الميدانية وأعمال الحفر الاختباري. كما استُخدمت برامج حاسوبية لمحاكاة حركة المياه ومناطق تجمعها، بما يسمح بفهم العلاقة بين الجدران والخنادق والأنهار والوديان والأراضي الزراعية المحيطة.
وأظهرت عدة مواقع ارتباطاً واضحاً بين هذه المنشآت والزراعة. ففي موقع ينشيانغتشنغ (Yinxiangcheng)، احتوت منطقة منخفضة تقع بجوار المستوطنة على تركيزات عالية من حبوب لقاح الأرز، ما يشير إلى استخدامها في زراعته. أما في ماجيايوان (Majiayuan)، فتوجد مؤشرات على أن المياه كان يتم تحويلها عبر أجزاء من الجدار الغربي إلى داخل المستوطنة. وفي جينغجياتشنغ (Jingjiacheng)، استغل السكان منصة مرتفعة نسبياً، بينما شكلت أعمال الحفر المجاورة حوضاً يمكنه الاحتفاظ بمياه الأمطار في الموسم الرطب واستخدامها لاحقاً لري الأراضي المنخفضة. ويقدم موقع تشنغ خه (Chenghe) مثالاً أكثر تعقيداً. فقد أظهرت نماذج التضاريس وجود خنادق داخلية وخارجية وسواتر وممرات لتصريف المياه، إضافة إلى سدود قديمة كانت تحول جزءاً من مياه الوديان المجاورة. وبحسب الدراسة، كان هذا النظام يسمح بحماية المستوطنة من الفيضانات خلال موسم الأمطار، وفي الوقت نفسه بتوجيه المياه إلى الأراضي المنخفضة المناسبة لزراعة الأرز. ومع زيادة السكان واتساع المستوطنة، يبدو أن النظام المائي توسع بدوره ليشمل مساحة أكبر من الوادي.
أما في موقع تشوجيالينغ (Qujialing)، فتشير الأدلة إلى مشاريع أكبر حجماً. فقد كشفت الحفريات عن سدود وممرات لتصريف الفيضانات ومناطق لتخزين المياه يعود تاريخها إلى نحو 5100–4900 عام مضت. وأظهرت المحاكاة الهيدرولوجية أن مساحة تجميع المياه خلف كل من سدين رئيسيين كانت تقارب خمس كيلومترات مربعة، ما كان يسمح بتخزين كميات كبيرة من مياه موسم الأمطار واستخدامها لاحقاً في الري.
وبالعودة إلى موقع شيجياهي، فقد توصل الباحثون إلى أن السكان هناك واجهتهم مشكلة مختلفة. فقد كانت المستوطنات المرتفعة أكثر أماناً من الفيضانات، لكنها أبعد عن مصادر المياه اللازمة للمحاصيل خلال أشهر الجفاف. وبدأت الحلول بحفر برك في الأجزاء العليا من الوديان الصغيرة لتخزين المياه، ثم تطورت لاحقاً إلى سدود أكبر وقناة تحويل يبلغ طولها نحو 1.8 كيلومتر، نُقلت عبرها المياه من النهر الشرقي إلى المناطق الزراعية التي يصعب ريها مباشرة من مجاري المياه المنخفضة.
وبناء على ذلك، تقترح الدراسة أن كثيراً من تلك «الأسوار» التي وجدت في المستوطنات المنخفضة كانت تؤدي وظيفة مشابهة للسدود الترابية والحواجز الحديثة، في حين اعتمدت المستوطنات المرتفعة بدرجة أكبر على الخزانات والبرك وقنوات تحويل المياه. أي أن شكل كل مستوطنة ونظامها المائي كانا مرتبطين بطبيعة موقعها، فالمناطق المنخفضة احتاجت إلى الحماية من المياه، بينما احتاجت المناطق المرتفعة إلى جمعها ونقلها. ويبدو أن هذه الأنظمة ازدادت حجماً وتعقيداً قبل نحو خمسة آلاف عام، لا سيما مع توسع المستوطنات الرئيسية مثل تشوجيالينغ وشيجياخه وتشنغ خه.
وبشكل عام، تربط الدراسة بين كل من تحسين إدارة المياه وتوسع زراعة الأرز وزيادة الإنتاج الغذائي ونمو المجتمعات. وبذلك قد لا تمثل المنشآت الترابية الضخمة في سهل جيانغهان مجرد حدود دفاعية لمستوطنات قديمة، بل أجزاء من مشهد زراعي واسع أعاد السكان تشكيله للتكيف مع دورة مستمرة من الفيضانات والجفاف.
تاريخ النشر: 01-10-2026
ترجمة وتحرير: عبد المنعم سماقية